الارشيف / نبض لبنان

الموازنة.. ما لها وما عليها

 كتب  د.ناصر زيدان في صحيفة الأنباء:

تحمل الموازنة اللبنانية للعام 2019 مجموعة كبيرة من البنود والتفاصيل تؤسس لمقاربات جديدة غير عادية. وهذه الموازنة التي تنتظر مناقشات قد تكون حامية أمام مجلس النواب، «حمالة أوجه» بمعنى أنها أطلقت لكي تصيب أكثر من عصفور بحجر واحد.

وفي الفذلكة الموضوعية لهذه الموازنة، أنها ضرورية جدا لمواجهة التحديات غير العادية التي تضغط على اقتصاد البلاد وعلى المالية العامة، وفيها استفادة من اللحظة السياسية لإحداث تغييرات جوهرية على مهمة الدولة بشكل عام.

مما لا شك فيه أن الدافع الأساسي وراء هذه الخصوصية لموازنة العام 2019 هو الشروط التي وضعتها الدول المانحة أمام الدولة اللبنانية لتتمكن من الاستفادة من مقررات مؤتمر سيدر الذي عقد في 5/4/2018 في باريس والذي وافق على منح لبنان مبلغ 11 مليار دولار، منه بعض الهبات، وأغلبيته قروض ميسرة مخصصة لإقامة مشاريع استثمارية وتأهيل البنى التحتية. ومن هذه الشروط الذي وضعها المانحون، تخفيض عجز الموازنة الى ما دون 8%، وترشيق القطاع العام الذي يعتبر سمينا قياسا لحجم الدولة، وكذلك تحفيز الاستثمارات لتكبير حجم الاقتصاد، وبالتالي تقليص حجم الدين العام نسبة للناتج الإجمالي، والذي تجاوز الـ 160% وهذا غير مقبول عالميا، وسيؤدي لا حقا إلى خفض مستوى تصنيف لبنان الائتماني أكثر مما هو عليه الآن.

وقد عملت الإدارات المختصة في رئاسة الحكومة وفي وزارة المالية والوزارات الأخرى على تظهير الموازنة على الشاكلة المطلوبة، لاسيما بعد أن بانت مستويات العجز المخيفة التي أظهرتها أرقام الصرفيات المالية للدولة نهاية العام 2018، بحيث فاق العجز كل تصور، وبات يهدد الاستقرار النقدي، لأن حسابات حقل سلسلة الرتب والرواتب لم تتطابق مع حسابات بيدر الجبايات المتوقعة، وزادت المصارفات بشكر كبير جدا، وتقلصت الواردات على شاكلة غير متوقعة.

موازنة 2019 قد تكون ضرورية، ولا مناص منها، لكنها في ذات الوقت ظالمة ومجحفة، وخطيرة. كما أن التسويق السياسي لها تجاوز كل الحسابات الوطنية، وربما استغله البعض مناسبة للانقضاض على دور الدولة برمته، وتحويلها من دولة رعاية وحماية الى دولة حماية فقط.

من النقاط التي تحتسب لصالح الموازنة، أنها نجحت في تخفيض العجز، بصرف النظر عن تفاصيل البنود التي تم الحسم منها. وهي ستساهم في إعطاء بعض الأمل للاقتصاد اللبناني في استعادة بعض النمو، خصوصا من خلال بعض الحوافز التي أعطيت للصناعة، ومنها فرض 2% على الواردات التي يجود لها سلع شبيهة في لبنان. ومن الإيجابيات أيضا، أن الموازنة أعطت تأشيرة دخول واضحة لخطة ماكينزي التحفيزية، ولمشاريع مؤتمر سيدر.

لكن الجوانب السلبية في الموازنة ليست بسيطة، ومنها على سبيل المثال: احتمال زيادة البطالة في صفوف الشباب من خلال وقف التوظيف، وإضعاف الجامعة اللبنانية، وتخفيض مستوى الرعاية الصحية والاجتماعية والتربوية في قطاعات مختلفة من جراء تقليص التقديمات، بينما لم تتجرأ الموازنة على فرض الضريبة التصاعدية التي تطول الأغنياء، ولا هي عالجت موضوع الهدر الهائل في استثمار الأملاك العامة – خاصة البحرية – من قبل نافذين وبإيجارات رمزية تحرم الدولة من عائدات كبيرة. وأبقت بنية الضرائب في المنحى غير المباشر الذي يطول الفقراء والأغنياء بالتساوي.

والموازنة تضمنت بعض القواعد القانونية التي لا تتطابق مع طبيعتها السنوية، وتم تهريب بعض المواد الناظمة بين بنود الموازنة، فيما يشبه عملية تهريب البضائع عبر الحدود والمرافئ، والتي لا يبدو أنها ستضبط كما ينبغي.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى